طباعة    ايميل

جدة..مدينة معولمة أم متثاقفة!؟

كثافة النصُّب الفنية المبعثرة في ميادين (جدة). وتلك الماثلة بصمت قبالة شواطئها، توحي بفضاء مديني يحاول أن يقدّم نفسه كاستثناء ثقافي لا يُبارى، ففي ذلك الاستعراض الباذخ من التعالي على المدن الأخرى ما يفصح عن طبيعة الوعي التعويضي، الذي دبّر تلك المصفوفة من الأشكال التزيينية. كما أن فيه من التباهي الفارط، ما يفسر اختلاق مشاهد مصطنعة، أشبه ما تكون بالهجين الثقافي العصي على التبيئة أو حتى الانسجام، إذ لا تمتلك معظم المنحوتات قابلية التجذّر في تربة المكان والاندماج بروحيته. وهي حقيقة جمالية صارخة بالفعل يصعب التواؤم مع مستوجباتها، رغم ما تبعثه أحياناً من علامات التحضّر، إذ تشير إلى مدينة ترفع لافتة التلاقح الثقافي، فيما تبدو منصاعة لشكلانية الثقافة الغالبة.

ذلك المشهد الخيالي المتمادي في استعراض الانتصابات والكتّل التمثالية المعاد صياغتها وفق ارغامات دينية، ومن منظور تجريدي أو تنزيهي، بمعنى أكثر طهورية، لتفارق جوهرها التجسيمي، قد يخفي وراءه مدينة مرتبكة، هي بمثابة ضحية من ضحايا العولمة، إذ تنهض على أنقاض ثقافة آخذة في الإحتضار، نتيجة عجزها الفعلي عن استنهاض مصداتها المادية واللامادية. وهنا يكمن سر هروبها إلى أمام حداِثي، كما يُلاحظ ذلك النهج في متحفها الفني الفاره، المتمدد كيفما اتفق في الهواء الطلق، حيث الركض في أفق غير معرّف سواء من الناحية الفكرية أو الجمالية، ومن خلال فضاء مفتوح لا يراعي إلا الشكل الموسيقي لمنحوتاته.

إن وفرة الأشكال الجمالية الآخذة في التكثّر بلا هوادة، لا تشير إلى مجتمع خلاق يعيش بالفعل حالة من الولع بالفن والجمال، فأغلب النصّب التي تحتل الساحات والميادين والشوارع، مستجلبة من دوائر ثقافية نائية، وتعكس بالضرورة وعي وإحساس (الآخر) الذي أنتجها، لا وعي مستهلكها البصري أو النفعي. وبالتالي هي لا تمثل روح المكان وناسه، حتى وإن كانت مصمّمة للاستزراع في الفضاء الجداوي، فالمشهد لا يوحي بثمودية جديدة، يكون فيها الفن -النحت تحديداً- ملكة عامة، كما يُمفهم كلود ليفي شتراوس تلك الروح الفنية الساطية، التي كانت تحرك المجتمعات ما قبل الطبقية، حيث كان المنتج الفني على صلة مباشرة بواقع الإنسان ومصيره وفق رؤية فلسفية.

يبدو ذلك الخلل البنيوي صريحاً ومربكاً في مجسم (المحراب) مثلاً، الذي استعار الفنان الإيطالي جوليو لافينت شكله ووظيفته، وأحاله إلى عمل فني، ليتم غرسه في فضاء مفتوح يحتمل خلائط بصرية، إلى جانب عمل لافونتيني الذي وظف بموجبه الآية الكريمة (رب ادخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق). كما ينضم إلى تلك المصفوفة الفنية عمل الفنان اللبناني عارف الريّس (سيوف الله). وكذلك منحوتة الفنان الفرنسي سيزار (العيون الساهرة) بالإضافة إلى خيول وجمال وصقور الفنان السوري ربيع الأخرس التي تنتهي إلى (ملحمة التوحيد) إلى آخر المتوالية الفنية الموقعة بأسماء عالمية المتمثلة في كتل هنري مور، ومنحوتات فازاريلي التي تشق الهواء بخداعها البصري، مقابل أشكال كالدر المتحركة، بالإضافة إلى أعمال شفيق مظلوم، وعبدالحليم رضوي، إذ تراوح تلك المنظومة المتباينة من الأعمال ما بين التجريدي والواقعي، كنتيجة طبيعية لتنفيذها بمختلف الأساليب الأدائية، التقليدي منها والحداثي، وبخامات متنوعة كالحديد المشغول والبرونز والزجاج الملون ومخلفات الكنداسات والقضبان والماكيتات الخاوية لوسائل النقل.

هذا المتحف المتمدد ببذخ لافت في الهواء الطلق، الذي يكتظ بروائع الفن العالمي، لا يخلو من كاريكاتير ثقافي، فهو على قدر غير يسير من الفوضى الفنية، لدرجة أنه يربك الحواس ويولّد الإحساس بالتشويش البصري، والاغتراب الروحي أحياناً، خصوصاً عند محاولة استيعاب تلك البعثرة الشكلية كمنظومة، حيث تحولت الساحات العامة إلى وسائل تعليمية وإيضاحية تلقينية، كما تم التمثيل عن ذلك المنحى بفجاجة تعبيرية مباشرة من خلال متوالية من النصّب المضخّمة التي تحيل إلى التراث بمعناه الانبساطي الساذج كالمباخر وجرار الفول ودلال القهوة وقوارب الصيد والفوانيس. كما تم تعريف الميادين بمجسمات استعراضية للخيول والجمال والصقور والدراجات والطائرات وأدوات الهندسة، بدعوى التنوّع، والتماس مع المعنى اليومي والتاريخي الذي تؤديه مدينة (جدة). إي المواءمة بين الشعور الشعبي وتعاليات الأحاسيس الثقافوية.

البناء التمثالي مُحيّا أكثر من كونه مجرد واجهة، ولذلك يفترض أن ترسم تلك الأشكال الجمالية الأُطرها التاريخية للمنحوتة والفضاء الذي تنتصب فيه وتعبّر عنه، بالإضافة إلى ما يمكن أن تحمله من تقنية أدائية عالية، وما تبثه من طاقة سيكولوجية، فالشعور التاريخي، والإحساس بإيقاع العصر، لا ينبجسان إلا عندما تعكس النصّب الفنية شخصية المكان، وتتجاوز مهمة تحقيق التناغم البصري بين الشكل والمضمون إلى مهمة أداء وتصعيد المعنى، أي تجسيد علاقة المنحوتة مع الفراغ، بمعنى إدخالها في علاقة عضوية -مادية وروحية- مع فضاء المدينة، وأحاسيس ناسها، إذ ينبغي أن تحيل تلك الأشكال إلى معنى جمالي عميق، أو تؤدي وظيفة إيحائية تتعدى الديكوراتية، ويكون بمقدورها خدمة الهندسة المعمارية للمكان، بمعنى أن تمثل سيماءه لا أن تكتفي بالرهان على تعضيلات الشكل المنحوت وزخرفيته.

قد توحي كل تلك الاستعراضات الفنية الباهرة بأن (جدة) مدينة لا تريد الإكتفاء بتسجيل الفارق الشكلي على المدن في السعودية، بل هي مهجوسة بالتشاوف على نظيراتها من المدن العربية، والدخول في نادي المدن المعولمة. وهنا مكمن السر فيما يبثه مشهدها البرّاني من إحساس بالخواء، رغم ما تحاول أن تثبته من قدرة على التجاوز، وإتيان الخوارق الجمالية، باستجلاب النصّب واستعارة الأشكال، كتقليد نافورة جنيف مثلاً، الأمر الذي يوحي أحياناً بأنها مدينة مغرمة باستنساخ جماليات الآخر، وتعاني بالفعل من العجز عن إعادة إنتاج نفسها بنفسها، أو استيلاد أصالتها من جديد، ولذلك تولي لأدوات العولمة مهمة تلفيقها في صورة كاريكاتورية، من الوجهة الثقافية، إذ تبدو بمثابة متحف يحتشد بنصّب خرساء، باهرة شكلاً، ولكنها منقوصة الأصالة.

لا شك أن (جدة غير) خصوصاً فيما يتعلق بشكلها الجمالي، ومنسوب انزياحها المديني، الذي يخفي وراءه حس (الاستغيار) بمعناه المتمادي، كما أبدع الشاعر طلال حمزة، في تدليلها، والإشادة بفرادتها (يكفي جدة..انها شمس المداين). حيث تمكّن من امتصاص جيناتها المكانية، وتحوير منظومة الأفكار والأحاسيس المتداولة إلى صيغة شعبية صارت بمثابة الدليل اللغوي، أو الشعار الذي يتم بموجبه تبرير خروج مدينة (جدة) وناسها على النص البيئي والاجتماعي والأخلاقي والثقافي والعمراني، باعتبارها أمثولة حية لمعنى (الغيرية) التي قد تعنى عند بعض المهجوسين بتوطئة سقوف العيب والحرام أنها تحولت بشكلها الجمالي الفارط في البهرجة لمدينة (سودومية) يُخاف منها وعليها، فيما تبدو بالنسبة للمعولمين بأنها مدينة محكومة بقدر التقدم إلى الحداثة، وعدم الإلتفات إلى الخلف.

جريدة الرياض – الخميس 1 يوليو 2010