طباعة    ايميل

كتابة المكتوب

إحياء المؤلف أم إماتته!؟

من يريد مكافحة الكذب والجهل، كما يقترح برتولت بريشت. ومن يريد كتابة الحقيقة، بما هي المرادف لكل معاني الحرية، فعليه على الأقل أن يتغلب على خمس مصاعب. حيث ينبغي عليه أن يتحلى بالجرأة على كتابتها، بمعنى ألاّ ينحني أمام الأقوياء، وألّا يخدع الضعفاء بمواراتها. وأن يتميز بالذكاء الذي يمكّنه من التعرُّف عليها، إذ لا يمكن العثور على ما ينبغى قوله بالصدفة. وعليه كذلك أن يجيد فن استخدامها كسلاح، من أجل تحديد الموقف، بحيث يصعّد حالة النضال ضد الأوضاع السيئة، بذات القدر الذي يمتلك فيه القدرة على الحكم لدى اختيار الذين تصبح الحقيقة في أيديهم فعالة، أي كتابتها لإنسانٍ ما، يمكن الإعتماد عليه لفعلٍ ما. وأخيراً، لا بد أن يجيد دهاء نشر الحقيقة، بالإصرار على تسمية الخلل، بعد تفريغ الكلمات من محتواها الغيبي المتعفن، وربما الإضطرار لتخفيض المستوى الأدبي لتمريرها.
إن كتابة الحقيقة أو كتمانها مسألة ضمير، حسب رأيه. وما تلك المصاعب الخمس إلا تحديات، كما ينم جوهرها، أو هي وصايا بالمعنى الفني للكلمة لكتابة النص المسرحي بمفهومه المتجاوز.  والأهم أنها تأتي من رائد يعي تماماً معنى الكتابة للمسرح، إذ يمكن اعتبارها معيارية فنية وموضوعية هامة لقياس منسوب الحقيقة وطريقة التعبير عنها في بعض المراودات التجريبية لكتابة النص المسرحي المغاير في السعودية. وفي هذا الصدد يمكن اختبار مشروع سامي الجمعان (موت المؤلف – نص وبيانات مسرحية) الصادر في طبعة شخصية سنة ٢٠٠٩م، والذي يشكّل أحد أهم المداخل، أو بمعنى أدق، هو أحد أهم الإسهامات التنظيرية والتطبيقية لحل إشكالات النص المسرحي في السعودية، حيث تجاوز تقاليد الإقتباس والتناص والإعداد المسرحي، ليغترف من حياة وشخصيات ومسرحيات سعد الله ونوس مراداته التجريبية، لكتابة نص يتغيا الجهر بالحقيقة، ويتجاوب بالتالي مع شروط مسرح التغيير.
للوهلة الأولى يتصور المتلقي أنه بصدد التماس مع مشروع مسرحي إحتجاجي، واعد بدراما طليعية النزعة، بما يوحيه (النص) من تقاطع -لفظي- مع تعاليات فكرة التوظيف الفلسفي لمفهوم (موت المؤلف) كما أراده رولان بارت، الذي أعلن بدوره (موت المؤلف ليحيا النص حراً طليقاً يمتعنا بلذته) فيما يُبقي على فكرة الإيحاء بالإنفصال بين النص ومنتجه، ولكن البيان المصاحب للنص يشي برؤية منحازة عن هذا المقصد، حيث يتبين وفقاً لعبارات سامي الجمعان (أن موت سعد الله ونوس لا حياته هي المحفز الذي انطلقت منه الفكرة، فتشكل عبر هيبة الموت والفقد والرحيل سؤالنا الصادم). بمعنى وجود نية (التأبين) في صميم المشروع، وبذلك يكون الغياب البيولوجي، هو المحرّض الذي يستبطن في داخله رغبة إحتفائية، أو رثائية لا واعية ربما، لاستعادة سطوة وهالة (المؤلف/سعد الله ونوس) وليس إعلان موته، كما تختزنه العلامات المجازية للعنوان، التي تتمادى في إيهامها حد التضليل. وهنا مكمن أول المفارقات التي قد تقوّض (العنوان/النص/المشروع) في صيغته التجريبية بالتحديد، أو ربما تكون تلك لمسة من لمساته المضلّلة.
وبالإضافة لتلك المفارقة ينبثق سؤال عن ماهية وحدود ما ينوي سامي الجمعان تنصيصه، إذ لا بد من عودة لمفهوم (النص) كما حدد معالمه رولان بارت نفسه باعتباره (كمية دينامية لا محدودة من الشفرات التي عن طريقها ينتج مقدار من اللغة منفتح على تعدد المعاني). وهو تعريف يمكن أن يتجاوب مع ما تركه خلفه سعد الله ونوس من نصوص، فهي من التراكم والتنوّع ما يفتح ذلك الإطار الإجرائي ويمدّده إلى ما لا نهاية، كما ترتبط بشفرات أو خيوط لا مرئية تلم شتاتها، وبالتالي فهي بحاجة إلى معرفة أكيدة بتاريخانيتها، وقاموسها، وتداعياتها الفنية والفكرية، وحمولات شخوصها، حتى يمكن إمتصاص المعاني التي أكثر المؤلف الميت من الطرق عليها لتأوينها في الذاكرة، وتشكيلها كخطاب مسرحي يعادل اعتناق الحقيقة، وممارستها كممر للحرية، حيث تحولت بالفعل إلى منظومة مصطلحات مسرحية.
ويبدو أن سامي الجمعان لديه من القدرة على الإلمام بالعناوين وربما عنده من الدراية ما يكفي لاستبطان البنى الغائرة لتلك المتوالية، أو على الأقل يمتلك من الرغبة ما يدفعه للخوض في تعقيداتها بدافع الحب والمتابعة والإهتمام، كما يشرح بعبارات صريحة مبررات انتقائه الإستخدامي والإستثماري لنموذج معروف ونحت نبرته داخل صوت سعد الله ونوس (من بعد اكتمال المشروع التأليفي الجديد كفكرة في ذهني وددت أن أضعه موضع التنفيذ فكان عليّ إجراء الخطوات التالية: أولاً، اصطفاء إحدى التجارب المسرحية العربية من سلسلة تجارب المسرح العربي، وكان أن وقع اختياري على سعد الله ونوس رحمه الله. لظني بأنه يتوفر على تجربة مسرحية تمتلك مقوماتها الخاصة التي تعين على تنفيذ مشروع الكتابة الذي نحن بصدده. فتجربة ونوس حققت لديها نسبة مشاهدة ومقروئية كبيرة، وفوق هذه الجماهيرية وجدتها قريبة العهد بنا، فضلاً عن كونها تحقق أحد شروط ذلك التوجه البكر في الكتابة، ألا وهو قراءة التجربة باستفاضة، والتعاطي مع مراحلها، وهذا أمر متحقق وجوداً، كوني قارئاً نهماً لنتاج هذا الرجل، ومتعايشاً مع ما ابتكره من شخوص، ومتابعاً لما كتب له أو عليه من نقد).
ولأنه يفترض أن المتلقي أيضاً على دراية باشتغالات ومنجز سعد الله ونوس يواصل شرح حيثيات الأفق التجريبي الذي انتهجه، وكأنه يمارس شيئاً من تعميق فكرة توليد النص من النص، وهو افتراض في محله ضمن الأدبيات المتعارف عليها عند المسرحيين (بوسعي أن أضيف إلِى هذا وذاك بأن التجريب في كتابة نص مسرحي قائم على التجارب المسرحية العربية المعروفة كتجربة ونوس أو من هم في حكمه يحقق لدى المشاهد جاذبية، وتشويق، ومتعة متناهية، وهذا هو أحد دوافع أو استراتيجيات مشروعي هذا، بقصد أنك حين تخاطب الجمهور بما سبق لهم التآلف معه، والإطلاع عليه. كمعرفتهم بنصوص ونوس. فأنت تستثمر حيلة كتابية تواصلية تستوعب خطابك وتبلّغ رسائله إليهم، بشرط أن تكون وفق صورة جديدة ومبتكرة تنقل التجربة المألوفة لدى الناس من حيز الدهشة في عقولهم، ومن مستوى الدراية العادية إلى مستوى الصدمة الدرامية المنشودة، وإني لأرى في هذا عنصراً مهماً تقوم عليه الدراما هو إدهاش المتلقي، وتفتيق خيالاته).
هكذا يقدم أطروحته كمبلّغٍ جمالي لرسالة إحتجاجية قديمة في حلة نصيّة محدّثة، أو كحامل لواء لتجديد الخطاب المسرحي، ولو على مستوى الكتابة. أما مرد الإنفعال الذي يبديه فيعود إلى جاهزية النموذج، فهو بمثابة اللقيا بالنسبة لمشروعه. كما يعود الأمر أيضاً إلى حماسته في الأساس لكتابة نص تجريبي مغاير، يتجاوز به رطانة النصوص المسرحية التقليدية في السعودية، إذ يُلاحظ اصراره الدائم على استخدام ضمير الجماعة، وكأنه يتموضع معهم في خانة المأزومين بالنصوص الرتيبة، أو ذلك هو المناخ النفسي والإبداعي الضاغط والدافع في آن، كما يدلّل على ذلك المنحى بعبارات تفسيرية (هذا المشروع في واقعه صورة من صور التجريب المسرحي على مستوى التأليف أولاً، وعلى ما تهيء له مفردات النص من أرضية مرنة لمخرج العرض ثانياً ولكوننا نقوم بمشروع تجريبي على مستوى الكتابة المسرحية فقد حددنا أبعاده ورسمنا أهدافه انطلاقاً من فهمنا للتجريب بوصفه كسراً لقيد المألوف والمتداول والممارس باستحداث طريقة مبتكرة مختلفة، ترمي إلى صنع حالة تمسرح جديدة، تفيد من أرضيتها التي تنبثق من خلالها فتجدد حاضرها وتتطلع إلى مستقبلها).
إذاً، النص المُنتج وفق توليفة نصّية مهجوسة بتحطيم المألوفات التعبيرية، الذي يعد في خطابه المضمر بنص مسرحي طليعي، لا يحمل في طياته أي إشارة لموت المؤلف إلا من الوجهة البيولوجية، كما أنه لا يشي بأي محاولة لإماتته، وهذا أمر يتنافى مع مبررات التجريب، الذي قد يحمل بهذا المعنى مخاطر الوقوع تحت سطوة النص الأول، أو الإكتفاء بترديد بعض لافتاته اللغوية في قوالب درامية محدّثة، كما يشرح سامي الجمعان تلك النوايا وهي في طور استوائها الفني بعبارات واضحة تختزن في مضامينها استراتيجية النص المتخيّلة، التي تتمثل في محاكاته قدر الإمكان، والتغنّي بفرادته، حيث يتم نسجه وفق هذا التوجه الجديد (ليشكل بانوراما متنوعة تتشابك فيها نصوص سعد الله ونوس).
ومن ذات المنظور الإستعادي، يفسر آلية التماس العمودي والأفقي مع منجز المؤلف المستعاد بقوة أكبر، وهي رؤية تتعارض مع فكرة موته كمنصّص للحياة، حيث تتحول نصوصه، بما هي مخزن خبراته وتجاربه، إلى مادة تطالب المؤلف الجديد بأن يصوغها في نص مسرحي مغاير، مهمته إعادة تركيب الحقيقة، وطرحها كقيمة تداولية، كما يفصح عن ذلك الإلحاح التجريبي بالإشارة إلى أنه (على الجانب الآخر يتحول ونوس ونصوصه وشخوصه هنا إلى مصدر للنص المسرحي، أو مجال فكري موحي لتجربتي، فلن تكون غايتنا إعادة نص من نصوصه، أو إعداد أحدها بل ستكون تجربته مجتمعة بكل ما تحتويه هي الفكرة، وهي المادة الخام، التي ننحت منها نصاً مسرحياً جديداً، ولهذا جمعنا ما هو تاريخي وما هو تخييلي، ثم حاولنا الربط بشيء من المنطقية، حتى لا تصطدم الرؤيتان فتقع التجربة في حيز من المباشرة، أو اللامنطقية).
إنها فكرة تجريبية أخاذة على مستوى المقاصد. كما يحاول سامي الجمعان التأكيد عليها في بيان (موت المؤلف) بحركة بندولية ذهاباً وإياباً، وكأنه يسعى لتعميق مراداته للمتلقى وإيصالها إليه بأكثر من طريقة، والإكثار من الشرح والتعليق لئلا يساء فهم مشروعه، أو ربما ليتفادى عوز تطبيق الفكرة داخل النص، كما تدلّل عباراته على ذلك القلق الإبداعي (أرى إمكانية طرح محاولة جادة لتشكيل نص جديد يستحضر التجربة المسرحية بتجلياتها النقدية من جهة، وبأبعادها الدلالية من جهة ثانية، كما يعمل جاهداً على استنطاق الشخوص في كل نص من نصوص التجربة مع تأكيدنا على أن الاستنطاق ليس يعني في ظننا شيئاً مما يلي: أولاً، الإمعان في جلب تلك الشخصيات بما هي عليه هناك في نصها الأصلي. بل بمحاولات تشكيلها في أطر وأبعاد مبتكرة ما أمكن، حتى تكتسب بُعداً دراميا جديداً، ومعاصراً إن صح لنا التعبير. وثانياً، الإنتقاء المناسب بوصفه عنصراً رئيسياً في اكتمال صورة الإبداع لذا فمن أهم ما تقوم عليه التجربة المنتقاة أن يكون من سماتها الرواج والحضور بين جمهور المتلقين حتى وإن كان على مستوى القراءة فحسب وهو ما وجدناه متوفراً في بعض تجاربنا المسرحية العربية مما شكل لنا دافعا لاقتحام هذا المشروع والبدء في تنفيذه).
هكذا قرر سامي الجمعان إنتاج نص جديد يراهن على قول الحقيقية ذاتها التي قالها سعد الله ونوس، بغرض توطينها في الوجدان، أو تصعيدها بلغة فطنة ومغايرة، كما أوصى  بريشت، الأمر الذي يعنى أنه ربما تمكّن بالفعل من استيعاب النص، كل النص، واستخراج معانيه، لتوظيفها حسب احتياجاته، من خلال الشخصيات ذاتها، ولكن وفق أطر وحليات مبتكرة، أو هذا ما يفترضه رولان بارت في تفجير معنى النص، فالعمل النصي بامتياز، حسب رأيه (هو العمل الذي يختار استغلال كل الإمكانيات اللغوية إلى الحد الأقصى، ليظهر الأدب كحقل مميز للإنجاز النصي لأنه يلجأ وبشكل أساسي إلى موارد اللغة المجمدة عادة بسبب الوظيفة التواصلية لها. وبعيداً عن أن يكون محصوراً في الهدف المرجعي فإنه يستعمل بالفعل كل إمكانيات الشيء الكلامي كي ينفتح على المعاني).
بمنتهى الوضوح يعلن سامي الجمعان عن نيته لتحقيق معادلة الكتابة المسرحية بمعناها التجريبي، وتجاوز ضيق الغاية والمرجعية الاستخدامية، من خلال الإتكاء الفعلي على (ألق الدراما وجمال سحرها كي نبني نصاً فوق آخر، ونستعيد تجربة ما في إطار إبداعي جديد). كما يصارح المتلقي بفكرة استثماره لرمزية وجماهيرية سعد الله ونوس، ففي (بيان موت المؤلف) يجاهر بمقاصده الرافلة بفكرة التخليد، أي بعث النص الحي من رميم الذات الفانية (هاهي تجربتي بين أيديكم حية نابضة، تستثمر التجارب المسرحية العربية لتبني على موروثاتها نصوصاً جديدة، أقدمها لكم تحت عنوان "موت المؤلف" وكأنني أبحث عن موت صاحب التجربة عن مولود آخر، يكون امتداداً لذكراه، وتخليداً لابداعه آملاً أن تحظى بفرصة الإطلاع والتفاعل). وفي البيان ذاته الذي يكتظ بالنوايا والوعود، يرسم معالم استراتيجية نص يحتاج هو الآخر إلى فحص قرائي ونقدي لقياس منسوب الطفرات التجريبية فيه.
وعند التماس بمتن النص (موت المؤلف) يُلاحظ أنه يحمل من المقاربات المتخيّلة ما يعيد تشكيل عوالم سعد الله ونوس، أو كما يسميه (السيد المؤلف) بما يحتشد به هذا اللقب من إعجاب فائض بالمؤلف الميت، إذ تم تأكيد تلك المكانة على لسان خضور وهو يتمتم و (ينتحب بكاء: رحمك الله يا سيدي..لن يقوم لمدينة النص من بعدك قائمة). وهكذا بدا الإجلال المبالغ فيه هو الشكل الدرامي الذي أراد التأريخ به لموته، لينسج عليه أسطورته النصّية، استناداً إلى مبدأ (التغريب) الذي يعني نزع البدهي والخبري والمتعارف عليه من حادثة موت المؤلف، ليضفي على الموقف بعض الحركة، أو لتنشيط الموقف الثوري حسب المذهب البريشتي، وإغناء الموقف الدرامي (ثم دخلت سنة ألف وتسعمائة وسبعة وتسعون وفيها جرى من الأحداث الكثيرة...لقد وافت المنية السيد المؤلف إثر مرض عضال انتشر في الأعوام المتأخرة، وهو مرض يسمى لدى أهل ذلك الزمان السرطان).
من خلال تلك العبارات الواعية لفكرة تزمين الوقائع من منظور مسرحي، وبحساسية جمالية لافتة تمكّن من تحويل حدث الموت العادي إلى مفصل استثنائي لتوجيه الأنظار إلى كائن استثنائي. وعلى إيقاع ذلك الخبر المؤلم تأسست البنية الدرامية للنص المسرحي، حيث بثه سامي الجمعان في متن النص على لسان الحكواتي بعبارات إخبارية، تدل على استدماج الحس الروائي، ولكن بنبرة ممسرحة، ليصعدّها فيما بعد بمتوالية سردية تثير الفضول، وتؤهل المتلقي لاستيعاب السيرة الاستثنائية للمؤلف الميت (أما الخبر الأكثر دهشة وعجائبية وغرابة، فهو ما قيل عن هروب عدد من الشخوص التابعين للمؤلف المتوفى، حيث هربوا مضربين عن البقاء في النص، رغبة منهم في السير مع الجنازة والمشاركة في مأتم من له عليهم فضل كبير كما يقولون).
وكما تتطلب اللعبة المسرحية قرر تحرير شخصيات سعد الله ونوس من تمثاليتها، واستصلاح متوالية من الفضاءات كغرفة المحقق والمقبرة، لتكون منصات شاعرية للمرافعة عن المؤلف الميت، حيث أطلق نداءات متباينة داخل النص لإعادة تجميع أبطاله في تظاهرة إنسانية، منسوجة في خط درامي واحد، من أجل التحاور معهم، ومن خلالهم مع قيم الحقيقة، كما يفهمها ويعتنقها هو، لا كما تختزنها تلك الشخصيات الدرامية، والعاشقة من الوجهة التكوينية للحرية (حنظلة، المملوك جابر، خضور بائع الدبس، فيل الملك، القباني، المنادي، المتفرج، الممثل). وأن لم يتبين من فحوى النص إن كان بصدد تقويلهم أو تأويل مقولاتهم وحضوراتهم، فقد التقط تلك الحيوات من نصوص سعد الله ونوس بحيلة فنية بارعة، ليحشّدهم في نصه، ويخرجهم من تمثاليتهم (إن هؤلاء الشخوص له عليهم فضل كبير، فهو مبتكرهم، وهو من استحضرهم، وشكّل نماذجهم، وفوق هذا وذاك سعى إلى إنصافهم).
ولتحريك النص المسرحي بدأ في إعادة موضعتهم حسب مقرؤيته الخاصة للمؤلف الميت. وبموجب خبراته التجريبية بمستلزمات توليد النص من النص. وكذلك، بالرهان على معرفة المتلقي بتلك الشخصيات الهائمة إثر وفاة منتجها، وإمكانية التحاور معها، بالنظر إلى كونها تحمل ذات الخطاب، وتعيش نفس الأزمات، وبالتالي تردّد المقولات ذاتها، بمعنى إعادة تشكيل حضورها الدرامي وتوطينها في النص الجديد من خلال عباراتها المعروفة، وأفعالها، وما يمكن أن يقال عنها. إذ اقترب سامي الجمعان بالفعل من المعاناة الداخلية والمآزق الخارجية لتلك المخلوقات، المطعونة بهشاشتها العاطفية الذاتية، والمطارَدة بشرور وطغيان الآخر المتسلط، التي تمثل جوهر فكر وفن سعد الله ونوس، بكل مضامينه السياسية والإجتماعية، وبما يمثله كظاهرة مسرحية، تراعي الجمهور وتموضعه في صميمها، حيث يتدخل (المتفرج) في الحدث المسرحي، ويشارك في تشكيل  الفعل الدرامي، وهو أمر تم التأكيد عليه في النصين لتطوير موقف المتفرج.
بعبارات شاعرية مكثفة يسرد سامي الجمعان حال ومآل شخصيات سعد الله ونوس، سواء المبتكرة من عندياته أو المستمدة من التراث، لينعش ذاكرة المتلقي، حيث يصف مشهد التيه المتأتي عن موته بمشهدية تنم عن ارتباط مفهومي وتعاطف روحي مع تلك الكائنات (ومما يقال في ذلك الحدث ما رواه الرواة، وحكاه أهل الحكايات: قيل إن شخصية من تلك الشخوص ويُدعى القباني ظل صامتاً سبعة أيام بلياليها كمداً عليه. وقيل إن منادي المدينة قاطع طبلته وقاطع مهنته، وأعلن محتجاً عزلته، فلم يناد على خبر من أخبار المدينة من بعده، وكذلك فعل المتفرج الحزين، الذي أقسم بالطلاق إن لم يقاطع صالة المسرح، ويصمت دهراً، فلا يناقش، ولا يحاور، ولا يجادل البتة، ومن جهته فقد أضرب صديقي الحكواتي عن الكلام المباح، فلازم الصمت أياماً، تاركاً مقعده الخشبي في كل مقاهي الشام للوجوم والصمت، وفعل مثله ذلك الممثل فحكم على نفسه بأن لا يتكلم إلا إيماءً لعشرة أيام. أما حنظلة صاحب الرحلة العجيبة فقد استمر مواصلاً رحلة العذاب والعناء، ويلعن حظه التّعس مساء نهار، حظه الذي أفقده ذلك الكاتب الذي أسمع صوته للناس فلم فمات قبل أن يجد لتعاسته حلاً. هذا وقد دارت الإشاعات في الأزقة والحارات التي لم يتحقق المؤرخون من صدقها: فروت بأن بائع الدبس الفقير المدعو خضور أهمل تنك دبسه، وحطم معصرته حتى أصبحت دمشق وضواحيها تعيش بلا دبس لأيام عدة، وكانت تلك كارثة الكوارث ولا شك).
لقد أراد سامي الجمعان استدعاء زمرة من أبطال سعد لله ونوس واستنطاقهم، ثم دفعهم باتجاه المقبرة لقراءة الفاتحة عند قبر (السيد المؤلف) من أجل غرس شاهدة قبر تليق بمكانته، بعد أن تعذّر عليهم السير في جنازته، وذلك لتوليد حالة من حالات (مسرح التناقض) الذي يعطي الأولوية للأفكار. حيث تجمع كل المنتمين إلى (مدينة النص) في المقبرة بما في ذلك الشرطي الذي قبض عليهم، ليكرّروا مواقفهم، ويعلنوا معتقداتهم، كما درّبهم عليها المؤلف الميت، ما عدا (الممثلة) المتأثرة جداً لموته، التي لم تتمكن من المشاركة، فيما يبدو إيحاء، بتعذّر حضورها لأسباب معروفة ومفهومة من السياق الكلامي، ولكن لا يراد الإفصاح عن الأسباب في النص، لينتفي وجودها في العرض المسرحي، كاستجابة لمتطلبات الخشبة المقموعة، وتقاليدها التاريخية المتكلّسة، فيما يستمر التعبير عن افتقادها، والتعهد (بإحضارها لاحقاً) وهي حيلة فنية أخرى للتعبير عن جانب آخر من الحقيقة، وإن كانت لا تخلو من إخصاء للنص، وتخفيض سقوفه، إذ لم يتم تغييب وجودها المادي، بل تم إخراسها، والتحدّث بالنيابة عنها.
لم يقترف أحد من أولئك المستخرجين من النص أي جرمٍ سوى اعتناق الحقيقة، وانقيادهم الطوعي للمؤلف الميت، الذي أراد من خلالهم وبهم التعبير عن هاجس الحرية. وهي الجريرة الجمالية التي ورطهم بها أيضاً سامي الجمعان حين وضعهم أمام المحقق متنكرين بملابس واكسسوارات طالما مكنّتهم من الجهر بالحقائق الفكرية والتاريخية، وذلك على لسان الممثل، الذي كان يستعرض ممتلكاتهم البسيطة بمزيج من البراءة والإعتداد بالدور الذي يؤدونه (انظر سيدنا المحقق هذا ثوب يوناني..وذاك رداء إسلامي..وهذا قناع لوجه ضاحك..وقناع لوجه شبح..وتلك ملابس نسائية..وهذه بعض الألوان..إنها أدواتنا التي نستعملها في وظائفنا بمدينة النص).
ولا يكتفي سامي الجمعان باستعراض مظاهر وعناوين منجز المؤلف الميت، بل يعيد إلى الأذهان بعض عباراته التي غدت بمثابة شعارات للتحرّر، حيث يقتبس من نصوصه بانتقائية واعية تخدم نصه. وبمنتهى الذكاء يوظّف كلماته للدفاع عن أبطاله وهم يعرضون كقضية إنسانية ملّحة أمام الجمهور. حيث يتقدم (القباني) من الجمهور ويصرخ بنبرة خطابية (نحن محكومون بالأمل، حقاً نحن محكومون بالأمل). وحينها يهتف (المتفرج) بعبارات درامية (الإستسلام أو اليأس كلاهما يعني الفناء، ونحن لا نريد أن نفنى..في حياتنا حياة لن يستطيعوا قهرها). أما (حنظلة) فيوجه كلامه إلى (خضور) بجملً ذات طابع قدري (إذا أنت لم تحترق..وهو لم يحترق فمن أين تأتي النار). فيرد عليه بنفس الإيقاع (صمتاً..صمتاً ما نحن سوى تماثيل في الساحة. نحن الناس الذين كانوا والذين ليسوا الآن).
المسرحي الجيد هو من يقدر على إعادة إختراع أسلافه. والأب المسرحي الساطي هو من لا يتنازل عن حضور غيابه، وإلهام أحفاده بما ينبغي عليهم كتابته أو عرضه، وفي هذا الصدد يمكن القول أن سامي الجمعان لم يتعامل مع موت سعد الله ونوس من المنظور البيولوجي وحسب، رغم فصاحة الإعلان الإجرائي لموته، الذي لم يكن موتاً لذاته الكاتبة، إذا ما تم فحص نص وبيانات (موت المؤلف). وبالتالي فإن النص يمثل حالة إحيائية لا واعية بالمعنى الفني للكلمة. وهو في كل الأحوال مجرد نص على نص، بمعنى أنه من الوجهة التجريبية يدخل دائرة الكتابة المغلقة، التي تردّد مآثر ما قبلها، وهي حقيقة إبداعية، حاول أن يتفادى الوقوع فيها، إذ لا يُفترض أن نصوص (المؤلف الميت) تمتلك من الصدقية والرصانة، والقدرة على قول الحقيقة، تلك الطاقة الإطلاقية، والعابرة للأزمان، ما لم يعاد تكييفها، وابتناء حقائقها الجمالية والفكرية لتتناسب مع ذائقة العصر ومزاج الجمهور الجديد.
إن الكتابة في المكتوب، مهمة إبداعية على درجة من الحساسية، تشبه حالة تعميق خطوط المنحوتة، بدون الإعتداء على قدسيتها. ومن الوجهة الكتابية، لا يستطيع المؤلف الثاني الفكاك من شخصيات ومقولات وأفكار المؤلف الأول، إلا بتحرير الشكل والمضمون. وهو أمر تم تحقيقه بشكل جمالي، في مزيج نصي يختزن جمالية الإمتاع والتعريف بالمؤلف الميت في آن، ولكن بدون أن يضيف إلى معاني الحقيقة أي معطى جديد، فجاءت المحاولة بمثابة تدشين مزار نصي للمؤلف، نتيجة ما يحظى به من إعجاب استثنائي من صاحب النص الرديف، وكأنه يستعير صوته، إذ لم يستثمر النص الجديد منظومة الشفرات المدسوسة في الأصل النصّي، بقدر الإتكاء على سمعة الكاتب وكفاءة نصوصه، وبالتالي لم يتقدم النص باتجاه التقويض وإحداث تلك الحركة التخريبية المأمولة في النصوص التجريبية، التي يتسم بها مسرح الإحتجاج والتناقض، الذي يحرّر الشخصيات من قفص الآلية والجبرية ويحقنها بالإرادة.
لم ينشأ نص (موت المؤلف) من منطقة إحتدام، ما بين المبنى الخطابي القديم، الذي لم يتم هدمه أصلاً، وبين ما يفترض أن يتم تدشينه كحالة نصّية جديدة، ولذلك لم يتضمن أي بؤرة للتوتر الدرامي، لدرجة أن الشخصيات كانت تتصارع بمنتهى الود، أو بمعنى أدق، بدون إبداء أي رغبة للتصارع، نتيجة إنبناء جوهر النص على حالة من التصالح التام حتى مع (المؤلف/الأب) حيث وصلت حالة إجلاله حد التقديس، فالحب الغامر الذي أبداه سامي الجمعان لسعد الله ونوس، وما خلعه عليه من صور مفهومية وجمالية صارت هي الدعامة المركزية للنص، حيث الرغبة الأكيدة عنده للتعرف في على أفكاره المهجورة. من خلال عبقرية الآخر، التي تعود عليه، حسب إمرسون، بقدر معين من السمو المغترب.
وما تلك (الحبكنة) الملذوذة، التي دبرها سامي الجمعان إلا طريقته الذاتية لتخليد أحد ملهميه، بمعنى أن المشروع كان في جانب كبير من جوانبه محاولة لاختراع أب مسرحي كبير في ظل غياب أب مقنع في الجوار، حسب المفهوم النتشوي. وبالتالي لم يجب النص على متوالية من الأسئلة الهامة، لأنه لم يسألها أصلاً، إذ لم يحمل ولو إشارة ضمنية على تمرد المُريد، أو أي حركة من الحركات التنقيحية، بتعبير هارولد بلوم، في مجادلته لقلق التأثر، وبالتالي يصعب قياس إنحرافه الخلاق عن الأصل، لأنه لا يستبطن تلك النوايا لتوسيع هامش الحرية وقول الحقيقة من منظور يتجاوز مرئيات الأب.
إذاً، كل ذلك الإحتفاء الجمالي والمفهومي بقامة مسرحية في حجم سعد الله ونوس لم يوّلد ذلك النص الذي يحمل الطابع التخريبي للأدب، الذي يعادل الحس التجريبي، بقدر ما أنتج نصاً تعليمياً مكثفاً يضغط كل نصوص المؤلف الميت في كبسولة فنية مؤثرة، بمعنى أنه قدّم الأفكار ولم يبث روح النصوص بالقدر المستوجب. وهنا ينبغي العودة مرة أخرى لما يفترضه رولان بارت بشأن النص، لقياس منسوب الطاقة التغييرية، في نص (موت المؤلف) وجس قدرته على قول الحقيقة، ليرتقي من الوجهة المسرحية إلى مستوى الفعل التحرّري، إذ لم تعد الكتابة تعتبر برأيه (ضريبة للكاتب تجاه المجتمع، بل أصبحت تعتبر فعلاً نصياً معبراً عن تحررٍ ثقافي).
وبهذا المعنى تنازل المشروع عن جانب هام من مهماته، فالنص المسرحي بمعناه ومقاصده التغييرية، هو حالة استكمالية للحركة الإجتماعية التاريخية. وهذا ما ينبغي أن يؤديه نص (موت المؤلف) حسب استراتيجياته المعلنة، بمعنى أنه يراهن على الأثر أو الفعل الثقافي التحرّري المنذور لاختراق الحدود المرسومة، وليس على المقروئية، وإتقان اللعبة التركيبية التداولية للنص. وذلك هو المعيار الذي استكمل بموجبه رولان بارت شروط كفاءته بالقول (إن دخول الإجتماعي في النص لم يعد يقاس لا بشعبية استقباله، ولا بصدقه في عكس الجانب الإقتصادي والإجتماعي الذي يختزنه أو الذي يمنحه لبعض السوسيولوجيين الذين ينتظرون استقباله بشوق، ولكنه أصبح يقاس بدرجة العنف التي تمكنه من تجاوز قواعد يصنعها مجتمع أو أيدلوجيا أو فلسفة، بغرض تحقيق الإنسجام في حركة تاريخية جميلة وواضحة. إن هذا التجاوز اسمه الكتابة).
بمنتهى الوعي والحماس والإعجاب يغترف سامي الجمعان من نصوص سعد الله ونوس وحياته، ولكنه لا يخرج بكل تلك الحصيلة من مداراته، ولا يسقط عليها شيئاً من مزاجة، رغم  براعته الواضحة في إدارة النص، وتدبير حيلته من الوجهة المسرحية، ولكن النص، لا يزحزح البُنى المتحجّرة، ليوّلد معانيه وقيمه ولغته البديله، إذ يُفترض، حسب الإعتقاد البارتي (إن يأخذ الكلمات المستعملة والمستهلكة والمسعّرة بالنظر إلى التواصل العادي، لكي ينتج شيئاً خارج الإستعمال، وبالنتيجة خارج التبادل...إن الموضع الأدبي جوهرياً تخريبي إذن، لأنه إذا كان للكلمات معنى واحد، وهو معناها في القاموس، وإذا لم تأت لغة ثانية لتعكير وتحرير يقينيات اللغة، فلن يوجد أدب).
ثمة حقيقة مشبّعة بهواجس الحرية في نصوص سعد الله ونوس. وبالتأكيد، لم يكتشفها سامي الجمعان بالصدفة، بل اجتهد للعثور عليها، نتيجة حب واعتقاد، فهو ليس من الأبناء الذين يسيؤون فهم آبائهم. وقد كان جريئاً في قولها، كما أبدى ذكاء فنياً مبتكراً بالفعل للتعبير عنها، تماماً كما يفترض برتولت بريشت، ولكنه أدخل تلك النصوص في دائرة مغلقة، حيث أكثر من الطرق في بيانه على مفردتي (النص والكتابة). وهو إتجاه يدل على أنه معني بالتجريب على مستوى النص، وفي لغة المسرح المقدّسة تحديداً، وليس على مستوى العرض بكل أدواته وأبعاده وتداعياته، فكل أبطاله يتكلمون، ولا أحد منهم يجيد التمثيل الصامت، أو يحضر من خلاله.
ذلك يعني أنه يجرّب في محدودية الأدبي، لا في وساعات المشهدي، كما يؤكد خضوعه كمسرحي لسلطة الكلمة، الموروثة في الأساس من سلطة النص الأدبي في الثقافة العربية، التي تهيمن على نصوص التجريب المسرحي كإستجابة تلقائية لسلطة الأيدلوجيا، وعلو نبرة الخطاب السياسي، وزيادة جرعة الثقافة التي تشكّل تهديداً صريحاً للدراما، حيث تعمل في الغالب كطلاء ثقيل لطمس الغريزي والفطري. وهي تراكمات أدت إلى انغلاق نص (موت المؤلف) على ذاته، وتحويل شخوص سعد الله ونوس إلى تماثيل ثقافية ناطقة، وبالتالي عدم فتح مسامات النص باتجاه المسرح الذي يمكّن الفرد من كتابة ذاته، والسيطرة على نفسه ليحاور العالم.
وبهذا الإتجاه الذي يغلّب هاجس التأليف على العرض، يكرّس سامي الجمعان حالة التجريب المنغلقة، التي تتخذ من النص مكانها، وتهبه السطوة الكاملة، والأخطر أنها تضفي على كاتب النص هالة عظمى، تعزّز مكانته كركيزة للتجريب المسرحي، الذي يراهن على الكلمة وما يتوّلد عنها من تداعيات أيدلوجية، مع تطعيم النص بخبرات ثقافية متأتية من دوائر نائية، لا تسمح للممثل بما هو المعادل للكائن بأن يعبر عن طاقته إلا من خلال مختبر النص، بل أن المخرج ذاته يمكن أن يظل أسيراً لسلطة النص، الأمر الذي يعنى أنه لم يضع في حسبانه وهو يكتب نص (موت المؤلف) زعزعة تلك السلطة، ليتجاوز إشكالية من إشكاليات كتابة النص المسرحي.
منذ عبارة أنتونان آرتو (سنقوم بالإخراج دون أن نلغي بالاً إلى النص) صار المسرح المعاصر يتعامل مع النص على أساس كونه مجرد منتج موضوعي، وبالتالي فهو ليس الركيزة في اللعبة المسرحية، حسب القراءات الحداثية وما بعدها، بل هو خارجها، مقابل الخبرات الرؤيوية والمعرفية والجمالية للمخرج، بالإضافة إلى أدائيات الممثل. وبالتالي يمكن أن يكون نص (موت المؤلف) مجرد خميرة أولية مؤلبة لتركيب نص، وليس هو النص الناجز المفترض أن يُمثّل. إذ يمكن لفريق العرض تفسير أفكار تلك اللفتة الذكية، كل من جانبه، بمعنى التدرّب عليها والإشتراك في كتابتها، فالنصوص المسرحية الحديثة لا تستقر إلا بعد أن يصبعها المخرج ببصمته، ويعبث الممثلون بسياقاتها، لأنها لا تُكتب أصلاً لتُقرأ، إنما لتؤدى.
هكذا ينبغي أن تؤلف كل شخصية شخصيتها، وترسم دورها في العرض، بمعنى تأويل الشكل الذي ينبغى أن تكون عليه، فيما يتخفف سامي الجمعان من دوره الإستحواذي كمؤلف، ليقوم بمهمة إعادة ترتيب الأفعال والصور والمشاهد، ويبقي على مساحة معقولة للحذف والتعديل والإضافة، فالمعالجة النصيّة عملية إبداعية تقوم على التركيب المعماري التصاعدي، التي تسمح للنص ككائن بيولوجي بالنمو والتكامل. وذلك هو الكفيل بتحريك المختبرات المسرحية، المفتوحة على الخبرات الثقافية للخطاب التمثيلي، وتجاوز المختبرات النصّية، بمعناها المعتاد، الرافلة في الكلامية، فكلمة المؤلف، حسب بريشت (غير مقدّسة أكثر مما هي حقيقية. والمسرح ليس خادماً للمؤلف، بل للمجتمع).
• الورقة المقدمة في ملتقى النص المسرحي الأول في الرياض  10 – 12 يوليو 2010