طباعة    ايميل

جريدة المدينة - ملحق الأربعاء 21 نوفمبر 2007
ورقته بحثت عن قارئ نموذجي.. النّاقد محمّد العبّاس لـ(الأربعاء):
تلكؤ المثقفين أحال ملتقى الباحة إلى ساحة للتسلية والهروب من المســـــــــــــتلزمات والشّروط!

مشهدنا مليء بالأكاذيب الثقافية والأسماء اللامعة التي لا تؤدي أي وظيفة سوى الحضور الشرفي!!
هناك نوع من تخليق النجومية أكثر من محاولة التلاقح والتفاعل المعرفي والجمالي
 
حاوره: نايف كريري- الباحة

أثار ملتقى الباحة الأخير عن الرواية وتحولات الحياة الاجتماعية، ومقاربتها للرواية المحلية، جملة من القضايا بما طرح فيه من أوراق وناقشت، وبما دار على هامشه من ظواهر صحبت الملتقى تمثّلت في كثرة الاعتذارات (المتأخّرة) التي أحدثت ارتباكًا غير خفي في جدول أعمال الملتقى، مما حدا بدمج محاور الملتقى في بعضها.. حول هذا الملتقى وأثره في المشهد الأدبي والثقافي حاورنا أحد المشاركين فيه الناقد الأستاذ محمّد العبّاس الذي لم يخف استياءه مما حدث في الملتقى من جرّاء الاعتذار واصفًا بعض الأسماء اللامعة والبراقة بأنها لا تؤدي أي وظيفة ثقافية وحضورها في المناسبات والملتقيات مجرد حضور شرفي، ممتدحًا في الوقت نفسه المشاركة النسائية في الملتقى من حيث جديتها ورصانتها بوجه عام.. العديد من المحاور فيما يخص الملتقى خاصة والمشهد الروائي المحلي عامة تطرّق لها العبّاس في هذا الحوار..

تلكؤ المثقفين وضعف الأوراق!

كيف تقرأ ملتقى الباحة الأخير عن الرواية وتحولات الحياة الاجتماعية، ومقاربته للرواية المحلية من حيث الفكرة والمضمون؟
فكرة الملتقى كانت جميلة جدًا، وطالما طالبنا بوجود منابر أو ملتقيات على هذه الشاكلة تتعلق بالظاهرة السردية، بالنظر إلى أن الظاهرة السردية تتسيد المشهد الثقافي الآن، وهي تتنامى بسرعة واطراد، ويفترض أن يتم تداولها على مستوى أوسع. وأن يتصدى النادي الأدبي بمنطقة الباحة لهذا الجهد وبإمكانيات متواضعة ولكنها جادة أتصور أنها فكرة جديرة بالإشادة وجديرة بالتأمل. ومن خلال ما رأيت من جهود واستقبال ومن تصميم على إنجاح الملتقى، فأعتقد أنه سيشكل علامة على المستوى التاريخي وعلى المستوى الفني وعلى المستوى الأدبي بالنسبة لجميع من شاركوا في هذا الملتقى، وبالتأكيد نحتاج إلى قراءة معمقة إلى ما طرح فيه، ومبدئياً لا بد أن نعرف أن إدارة النادي الأدبي في الباحة وأهالي الباحة بشكل عام قد قرروا أن ينجحوا هذا الملتقى وهو أمر لمسناه جميعاً وبكل ممكنات هذه المنطقة، ويبدو أن هنالك حالة من الارتباك توجد على مستوى التنظيم ليس بسبب إدارة النادي ولكن بسبب تلكؤ بعض المثقفين وعدم تعاطيهم مع هذه الملتقيات بجدية.

التلكؤ الذي أشرت إليه هل مرده إلى اعتذار بعض المثقفين عن المشاركة أم إلى ضعف بعض الأوراق المقدمة؟
البعض باعتذاره وعدم تعاطيه مع هذا الملتقى بجدية ربما لأنه ملتقى محلي، وفي منطقة تعتبر من مناطق الأطراف وليست من مناطق المركز، أي ليست من المناطق الثقافية التي يعتد بها وبالتالي لم يكن أحد يتوقع أن تكون هناك مادة جديرة بالمجادلة أو هي منطقة بعيدة عن الأضواء هذا من ناحية له الأثر الأول، كذلك المشاركات كان لها أثرها، فبعضها لم يكن بالمستوى المأمول -في تصوري-، فقد كنت أتطلّع إلى مشاركات معدة بشكل خاص يتناسب مع عنوان الملتقى، الذي اعتبره عنواناً موفقاً جداً وضرورياً في هذه المرحلة بالذات؛ ولكن يبدو أن مثقفينا ينسربون في اللحظة التي يفترض أن يتواجدوا فيها، مع ذلك لابد من تسجيل وقفة وإشادة ببعض الأوراق القليلة جداً، مع إشادة بحضور المرأة في هذا الملتقى ومحاولتها مجادلة الرواية المحلية بكثير من الثبات والإصرار والجدية، فهناك -باعتقادي- مجموعة من الأوراق جديرة بالتأمل والتي أثارت جملة من الأسئلة تمثل بداية إلى تفكير جاد في مستقبل الرواية المحلية.

صف لنا طبيعة هذا الارتباك؟
هذه تتعلق بارتباك المثقف ذاته من المشاركة، بعض المثقفين السعوديين للأسف لا يؤمنون بإمكانية وجود ملتقى على درجة من الجدية في الداخل وبالتالي فلا يعدون أنفسهم بما يتناسب مع تحديات هذا الملتقى. هذا الملتقى كعنوان على درجة من الخطورة والأهمية كما أسلفنا ويفترض أن يكون المثقف معداً له بشكل جيد على هذا المستوى، حسب قراءتي للمشهد فدائماً هي الملتقيات على هذه الدرجة من التنصل والنكوص والإرتكاس، ونادراً ما قرأنا أوراقًا داخل الملتقيات تتناسب مع العناوين؛ فالمسألة تتعلق باحتشاد مجموعة من المثقفين وتبادل التسلية والتسامر والهروب من مستلزمات وشروط الملتقى؛ وشخصياً تلقيت الدعوة مبكراً وأفترض أن هذه الدعوة قد وجهت للجميع، وبالتالي كان بالإمكان إعداد أوراق على درجة من القوة والجدية والرصانة، لكن المثقف يتحمل الجزء الأكبر من إرباك هذا الملتقى. وإن كان هذا لا يعني أن الملتقى كان يعاني حالة إرباك كاملة بالعكس فقد كان الجو منسجمًا.

في بيئة منطقة الباحة المحافظة، هل تعتقد أن موضوع الرواية متقبلاً فيها؟
قد يكون لهذا التّساؤل مبرر ليس في منطقة الباحة بل في مناطق كثيرة، كما تعرف فنحن نتعايش على أرضية فيها الكثير من التحديات والتجاذب بين تيارات وبين وجهات نظر ومعتقدات، وبيئة الباحة البعض يتصورها من الخارج أنها منغلقة ومحافظة وهي قد تكون ضمن خطوط تتعلق بالأعراف والقوانين الاجتماعية، ولكن بصراحة أنا شخصياً لم أشعر بأن النادي هو من نظم هذا الملتقى وحسب بل كل الباحة كانت مستعدة للتفاعل والاستقبال، وأعتقد أننا عشنا مهرجاناً موازياً للملتقى من خلال الفنون الشعبية والاستقبال الشعبي، ومن خلال تجوالنا الجميل في نص بصري نجد أنفسنا نتجاوب معه على درجة من الانسجام والتفاعل، وقد يكون هناك قوة أو فصيل ضئيل جداً لا يرد لنا كمثقفين ولا لأي آخر أن يقتحم هذه البنية التي يعتقد أنها محافظة كي لا تتأثر قناعاته وكي لا تستجلب له قيمة ثقافية أو أخلاقية أو سلوكية مضادة، وهذا الأمر لم يحدث؛ بل كان هناك نوع من الاستقبال الرائع، وأعتقد أن كل مشارك قد لمس هذا الاختلاف الذي يحرض على تكرار المحاولة مرة أخرى.

فوائد ملموسة

هناك من شارك في هذا الملتقى للمرة الأولى، فكيف تقيم مشاركتهم وأوراقهم؟
كل من شارك في هذا الملتقى سيستفيد بشكل أو بآخر، أن يحتشد مجموعة من المثقفين والمثقفات لمناقشة موضوع على هذا المستوى الجدية والخطورة فهذا يعني أننا بصدد مدرسة ليس لتلقي الأفكار والمعارف حول الرواية فقط ولكن لتلقي الحساسية الجمالية، وبالإضافة إلى هذا وذاك أعتقد أن من شارك قد تأمل وتعلم كيفية الحضور والإلقاء، فالتعامل المباشر مع المثقف يكسبه طريقة إدارات الجلسات أو طريقة توصيل الفكرة، وأرى أن من شارك لأول مرة ومن تكون لدية خبرة أو أفكار اعتباطية عن المشاركات سيستفيد من هذا الملتقى بشكل أكبر، لأنه سيكون صفحة بيضاء لتلقي جملة من المعارف والجماليات وطرق التعامل المباشر.

أوراق نسائية جادة

كيف تقيم المشاركة النسائية في الملتقى؟
ما لاحظته أن كل الأوراق النسائية كانت جادة ومصممة على الحضور بقوة؛ ربما لإثبات الذات على المستوى الفردي والأنثوي، ولكن لا يعني أن الأوراق كانت مكتملة وأخذت شكلها النهائي وذلك باعتراف المثقفات أنفسهن في المشاركة، إنما الملاحظة الأهم أن هنالك تصميم حقيقي على الحضور وتقديم جملة من الأفكار المهمة التي لا تعني المرأة فقط وإنما تعني الرواية المحلية بشكل عام، وكل الأوراق النسائية جديدة لم تنشر من قبل ولم يتم تداولها إنما كانت مخصصة للملتقى وقد اجتهدت المثقفات للحضور وهو أمر أتصوره على درجة من الأهمية.

على أي المستويات يجب معالجة الرواية بالنظر إلى ما تم في الملتقى؟
بسبب دمج بعض محاور هذا الملتقى في بعضها وإلغاء البعض الآخر صرنا أمام فوضى في تناول الرواية. الرواية يمكن تناولها على مستوى المضامين وعلى مستوى الشكل الفني أو المعماري وبالإمكان قراءة هذين الاتجاهين على أكثر من مستوى، فالمرجعيات السيوسيولوجيا للرواية المحلية أعتقد أنها ضرورية جداً، والبنية الفنية للرواية أعتقد أنها أيضاً ضرورية جداً، وفكرة الأجيال في كتابة الرواية وتصارع الرواية مع أجناس أدبية أخرى أتصور أن هذا مهم جداً، ويمكن أيضاً إحداث نوع من الحوار مع الروائيين والروائيات من خلال تعامل مباشر في الكيفية التي تتم فيها إنتاج رواياتهم، بمعنى مساءلة الروائيين في وعيهم الروائي، فأتصور أن المدى مفتوح لأن الرواية الآن في مشهدنا المحلي آخذة في التحول إلى خطاب استحواذي تستحوذ على كل الخطابات وبالتالي فهي تمتلك ذلك الامتداد البعيد والمتسع والشاسع، وأعتقد أن الكثير من المناسبات ستتعرض بشكل أو بآخر إلى ثيمة الرواية.

هل تتوقع للرواية حضورًا طاغيًا وفي جميع المناسبات المقبلة؟
بالتأكيد ستظل الرواية تتسّيد المشهد الثقافي لفترة طويلة...

وما الذي يساعدها على هذا التسيّد على حساب أجناس أدبية أخرى كثيرة؟
الرواية الآن تحولت إلى أداة حوار؛ وعندما نقول (أنها أداة حوار) فلا نعني أنها صيغة من صيغ التحاور الحي، هي أداة للتعبير وأحياناً للتنفيس -بمعناه الضيق- وهذا ما يفسر هذه الطفرة والوفرة في الكتابة؛ فهنالك رواية تكتب من منطلق ذاتي محض، وهنالك رواية تكتب بنفس مناطقي، وهنالك رواية تكتب بنبرة طائفية، وهنالك رواية تكتب بروح ثقافية... وهكذا، هذا التنوع الكتابي هو شكل من أشكال الهُوية وشكل من أشكال الحضور والذي يعكس رغبة مساحة عريضة من المجتمع للحضور والتمثل عبر الرواية.

هنالك روايات تكتب بأسماء مستعارة، فهل تعتبر هذا الفعل ظاهرة صحية؟
لا أعتقد أن الأسماء المستعارة ظاهرة صحية، وهي قياساً إلى ما ينشر تعتبر جزئية جداً، وفكرة الكتابة وراء قناع أو اسم مستعار، قد تبدو أحياناً من أجل تفادي المسائلة الاجتماعية والقانونية والحقوقية..إلخ، ولكنها في أحيان أخرى تبدو من أجل الإثارة وإحداث نوع من الفضول لدى القارئ، وفي المقابل تم تسريب الأسماء التي كتبت هذه الروايات لأن من كتبها لا يريد أن يظل مجهولاً وخصوصاً أنه يفاجأ بعدد من القراء لا تتناسب مع ما خطط له من أجل الرواية. أعتقد أن المستقبل لحضور الذات الرواية الحقيقية والتي تتحمل تبعات ما تكتب وتجد من خلال تمثلها الحقيقي لأفكارها وحمولة شخصيتها النفسية أو الفكرية طريقاً للحضور.

خمول المثقّفين!

بقراءة الأسماء المشاركة من المثقفين نجدها تتكرر في كل ملتقى في مناطق المملكة، إلى ماذا ترد ذلك؟
أعتقد أن في مشهدنا الثقافي أكذوبة أو مجموعة من الأكاذيب الثقافية، هنالك أسماء لامعة وبراقة ولكنها واقع لا تؤدي أي وظيفة ثقافية وتجدها دائماً في كل الملتقيات والمناسبات وهم مجرد أعضاء شرف، وسيستمر هذا الحال..
وإلى متى سيستمر هذا التكرار.. ولماذا؟
إلى فترة طويلة جداً لجملة من الأسباب، فنحن نتعايش على أرضية فيها الكثير من الأكاذيب والتوريات والنفاق الثقافي، هذه المسؤولية تقع على عاتق اللجان المنظمة، بمعنى أن كل ملتقى قد تكون فيه نسبة من المجاملات ونسبة من الأخطاء؛ ولكن لابد من الحفاظ على الحد الأدنى من الجدية ومن محاولة الخروج بملتقى على درجة من الرصانة التي قد تشكل منعطفاً ومنطلقاً لأفكار جديدة ومتحررة، في هذا الملتقى أثيرت مجموعة من التساؤلات.. وكانت هناك فكرة لطباعة الأوراق وتوزيعها، وأعتقد أن فكرة وجود كتاب يلم هذه الأوراق فكرة جديرة بالالتفات والتشجيع وتتجاوز ملتقيات أخرى لم تجمع الأوراق لأنها -بتصوري- لم تكن على هذه الدرجة من الأهمية.

ما الدور الثقافي الذي يمكن أن يحمله المثقف والملتقيات الثقافية بعد تعددها هذه الأيام؟
أعتقد أن كل مثقف يحضر مثل هذه الملتقيات يفترض أن يمثل ذاته الواعية بقدر ما يمثل فكرة الثقافة ومعناها الوظيفي ويفترض به أن يقدم أقصى ما يمكن من المعرفة والحساسية الجمالية لنتمكن من إحداث حالة من التغيير والتفكير وزحزحة الذائقة، لا أتوقع هذه الأمر من الجميع ولكن أتوقعه من فصيل معني بالثقافة بشكل حقيقي وأتصور أن المشهد الثقافي بقدر ما يحمل من مساحة مجانية هائلة، هنالك فصيل يتعامل مع الثقافة بشكل جاد وبشكل فاعل وعلى درجة من التواشج بالمعنى الوظيفي للثقافة.

قراءة داخلية للرواية

شاركت في الملتقى بورقة عن علاقة القارئ بالرواية ما الأفكار الجديدة التي قدّمتها؟
أعتقد أن هذا المحور كان من المحاور المهمة، وأنا شخصياً معني بالتفكير في الطفرة الروائية وغزارة الإنتاج ونشر الرواية بشكل خاص، وأرى أن للقارئ دورا في هذه النشأة بشكل كبير، وتوقعت أن يطرح زملائي علاقات القارئ بالرواية من الخارج بمعنى التنظيرات المتعلقة بأهمية الرواية والقراءة وما إلى ذلك.. ولكني اتخذت منحى آخر وقرأت جملة من الروايات من داخلها حيث كان البحث عن قارئ نموذجي مطلباً من مطالب الرواية بشكل عام وقد وجدت أن قدراً من هذه الروايات تخاطب القارئ بتمثلات وأشكال وتصورات مختلفة من أجل إحداث حالة من الصلة تعتمد أحياناً على الخوف منه وأحياناً على محاولة للتماهي مع قدراته المعرفة بما هو سلطة جديدة مع ضرب مجموعة من الأمثلة منها (الغيمة الرصاصية) لعلي الدميني، و(القارورة) ليوسف المحيميد، و(حب في السعودية) لإبراهيم بادي، وأعتقد أنها محاولة لاستكناه شكل من أشكال المقروئية التي يتواشج فيها القارئ مع الروائي.

القارئ النّموذجي

هل فكرة القارئ النموذجي كانت مطلبًا عند هذه الروايات التي مثلت بها أو حتى عند روايات أخرى؟
في هذه الروايات وغير هذه الروايات، ففكرة القارئ النموذجي فكرة خارج الخطاب الروائي هي فكرة تتعلق بسلطة القارئ، وسلطة القارئ جزء من الاشتغالات النقدية المكثفة حالياً على مستوى العالم وقد تحول القارئ إلى سلطة حقيقية وبات أسطورة معرفية جمالية وما محاولة التعاطي مع القارئ بتنامياته التاريخية والاقتصادية والاجتماعية والتي يغفلها الكثير من الروائيين المحليين للأسف إلاّ محاولة لتجديد تاريخ وشكل وتنميطات الفنون بشكل عام.

هل تشير بهذا إلى أن كثيرًا من الروايات لا تراعي القارئ بالدرجة الأولى؟
لا توجد رواية بدون قارئ؛ وكل مكتوب يعتمد على ميثاق قراءة مع قارئ من نوع ما، ولكن للأسف الكثير من الروائيين يخاطبون قارئاً على درجة من التدني والأفقية، بحيث لا يراعي الروائي التنامي التاريخي والاجتماعي والنفسي والثقافي إلى شكل المقروئية الحديثة، الآن يوجد لدينا قارئ أكبر من الروائي أحياناً وهو على درجة من الثقافة والوعي والمطالعة ويقرأ أحياناً أكثر من الروائي ويفترض بالروائيين أن يتنبهوا لهذه المسألة لكي لا يخسروا المعركة مع القارئ فينصرف إلى حقول أخرى أو إلى روائيين من دوائر أخرى.

هل ثمة فجوة بين القارئ والروائي في المشهد الرّاهن؟
يحق للجميع أن يكتب رواية؛ ولكن أن يتم الاستحواذ على الخطاب الروائي من قبل فصيل من الشباب فهذا يعني أن الرواية محكومة بمستوى ثقافي وصوتي أخلاقي واجتماعي وبرؤية أحادية لا تتناسب مع ما يفترض أن تتحرك في أفقه الرواية، الروائيين الشباب بإمكانهم أن يقدموا نموذجاً ولكن عادة الرواية تكتب من قبل ذات مجربة وعلى درجة من الاتساع والعمق وليس من خلال ذات مسطحة أو طارئة أو يومية أو هامشية؛ لأن هذه الذات إذا كتبت رواية بهذا الوعي الأفقي لن تنتج إلاّ رواية أفقية وبسيطة وهذا أمر ملاحظ. تتنامى هذه الظاهرة في ظل تضاؤل المحاولات النقدية لمجادلة هذه الروايات أو وجود خطاب نقدي يعاني من مشكلات كثيرة في التعاطي مع مجمل الإنتاج الإبداعي ومن خلال وجود مافيا للنشر تساعد على الترويج لهذه الظاهرة ومن خلال ظاهرة أخطر وهي ظاهرة الإعلام فهي للأسف تتبنى مثل هذه الموجات وتروّج لها؛ وبالتالي تحدث نوع من القراءات الضالة وتنمي وتصعد ظواهر ليس لها رصيد معرفي أو ثقافي.

ما النطاق الثقافي الذي يقصده الناقد محمد العباس بالتحديد؟
هو نوع من التكاذب بين مجموعة من الشرائح المثقفة تعتقد أنها تمتلك حقيقة المشهد الثقافي، لنمثل بمنحى من المناحي: فلا يوجد في الساحة ما يسمى بنقد النقد بمعنى أن كل من ينتج كتاباً نقدياً أو فكرياً لا تتم مناقدته أو مسائلته في توجهاته أو منطلقاته الفكرية في هذا الكتاب لأن المشهد لا يريد الاشتباك فهو يريد أن نتحرك جميعاً في اتجاهات متوازية ولكنها للأسف لا تسير إلى الأمام فقد تسير إلى الخلف أو تراوح في مكانها في أحسن الأحوال. الثقافة لا تقوم إلا على حالة من التصارع، حالة من الاختلاف، حالة من التنوع، حالة من التشظي، حالة من التعدد، وعندما نتكلم عن حالة تصارعية لا نتحدث عن حالة من العدائية أو الخصومة، فقط اختلافية على الأفكار وليس على الأشخاص، اختلافية على القضايا وليس اختلاف على الذوات المنتجة، فهكذا تتحرك المشاهد الثقافية، وأفترض أن المشهد الثقافي الذي نحن بصدده يفتقر إلى هذه النقطة أو البؤرة الارتكازية التي نسميها بالقضية التي يتمحور حولها كل المثقفين وبالتالي يتم التباري والتنادد فيما بينهم من أجل إنتاج قيمة مخالفة.

تخليق النجومية

هل هناك نقد سعودي نستطيع أن نفاخر به في المشهد الثقافي العربي ومن ثَمّ العالمي؟
لا شك.. ولدينا مجموعة من النّقاد فرضوا تصوراتهم حتى على المستوى العربي، وهي محاولات قد لا يتناسب الحضور النقدي مع كم الإنتاج الهائل الموجود، وأتصور أن هذا نوع من الارتباك يعاني منه المشهد العربي بشكل عام وليس المشهد المحلي فقط، ولكن توجد محاولات حقيقية وجادة ومعنية بالشأن الثقافي بشكل جاد؛ ولكن لا يوجد تجادل مضاد حول هذه الأعمال، فالمسألة مسألة ترسيخ أسماء وتلميعها وتصعيدها والوصول بها إلى مرقى مختلف أو نوع من تخليق النجومية أكثر مما هي محاولة للتلاقح الثقافي والتفاعل المعرفي والجمالي.
(نشر الحوار في ملحق الأربعاء بتاريخ 11ذوالقعدة1428هـ الموافق21نوفمبر2007م في صفحتي14-15)